img

 
 

 معنى التّزكية وكيفيتها

            التّزكيةُ في لغة العرب تأتي بمعنيين: الطهارة والنّماء، وهي كذلك عند أصحابها من أهل التربية، فالتزكية عندهم: طهارة الإنسان من كلِّ وصفٍ قبيحٍ وذميم، وترقيته وسُموّه بكلّ وصفٍ جميلٍ ومليح.

            ولمّا بشَّرَ الحقُّ تعالى  من زكّى نفسه بالفلاح في قوله:} قد أفلح من زكّاها{[الشمس 9] علمنا يقيناً بأنّ النفس المتّصفة بصفات النقص، قابلة بطبيعتها لأنّ تتّصف وتتحلّى بأضدادها من صفات الكمال إذا تزكّت وطهرت، وبذلك يتحقّق فلاحها في  الوعد الإلهيّ من الآية.

فمن صفات النفس الأمّارة بالسوء وهي التي لم تتطهّر ولم تتزكى: الغِلُّ والحِقد والحسد، والغِشُ وحبّ الثناء، والكِبْرُ والرّياء والعُجب، والغضبُ والطمعُ والبُخل، وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، وحبُّ الدنيا والغفلة عن الآخرة وعن الله تعالى.

فإذا جاهدها الإنسان وطهّرها من عيوبها وزكّاها، انقلبت هذه الصفات لأضدادها من صفات النفس المطمئنة: كالتوبة والتقوى، والاستقامة والصدق والإخلاص، والزهد والورع، والتوكل والرّضا والتسليم، والأدب والمحبة والذِّكر والمراقبة، وربما يكرمها مولاها بالمشاهدة.  

وكلّما داوم على مجاهدتها وصبر على جفائها ورعونتها، ترقّى في تزكيتها وطهارتها بتخليتها من العيب إلى تحليتها بضدّه، من نقصٍ إلى كمال، صفةً بعد صفة، إلى أن يبلغ مرتبة القلب السليم من كلِّ عيبٍ ذميم } إلّا من أتى الله بقلبٍ سليم{[الشعراء 89].

وإلى هذا الترقي من سجن النفس وظلامه إلى نور الحقّ وفضائه، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن ظُلمة العُجب والرياء، إلى نور الإخلاص والصفاء، ومن قطيعة البُعد والجفاء، إلى نور القُرب واللّقاء أشار الحق بقوله: } أوَمَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها{[الأنعام 122].

وبهذه الحياة الجديدة تتأهّل النفس لرتبة الصدّيقيّة الكبرى، وبلوغ درجة الإحسان العظمى، فضلاً وجوداً من الكريم المنّان، فيصير من أهل المشاهدة السعداء، وإلّا فمن أهل المراقبة الأدباء،  وهو كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك) [البخاري 50، ومسلم 8]، فمن كانت له بدايةٌ محرقة كانت له نهايةٌ مشرقة.