img




بسم الله الرحمن الرحيم

المقال الأول

أهمية التزكية

الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل، والصلاة والسلام على إمام المهتدين، والهادي بإذن ربه إلى الصراط المستقيم، ورضي الله عن آله شموس الهداية وسفن النجاة والولاية، وعلى صحابته الغرّ الميامين حملة النور والدين.

يقول تعالى في معرض الإمتنان على الإنسان (لقد منَّ اللهُ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم ءايـاته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)) آل عمران: ١٦٤( ، حيث جعل تزكية النبي ﷺ للمؤمنين من أهم وظائف النبوة، بل وقدّمها على تعليمهم الكتاب والحكمة.

ويكمُن سرّ هذا التقديم على العمل والتعليم أنّ التزكية بالنسبة للعمل كالشرط السابق له؛ فلا يصح العمل إذا تخلف شرطه؛ كالوضوء للصلاة، قال تعالى: (قد أفلح من تزكّى وذكر اسمَ ربِهِ فصلّى)) الأعلى: ١٤ ١٥(.

فلو أهمل الواحد تزكية نفسه من أمراضها واستهان بدسائسها وعِلّاتها، وأقبل على الأعمال الصالحات من صلاةٍ وعلمٍ وتعليم، وجهادٍ وبذل مالٍ ودعوة في سبيل الله، وجدّ واجتهد فيها، فكأنه يُسارع بنفسه ويقودُها إلى النار والعذاب والبُعد والشقاء، إذ أنزل هذه الأعمال الطيبة على نجاسة قلبه الملطّخ بشرك الرّياء ومرض العجب ونتانة الغرور (أحصاه اللهُ ونَسُوهُ)( المجادلة: ٦).

ففي الحديث أنّ أول خَلقِ الله تُسعّرُ بهم النار هم: رجلٌ جمع القرآن، ورجلٌ يُقْتَلُ في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال (ابن حبان (408)، والترمذي (2382) وقال: حسن غريب)، فمع أنّ كلّ واحدٍ منهم قام بأقصى وأعلى ما يُمكنه من صالحات الأعمال: من تعلّم القرآن وتعليمه، والجهاد والشهادة والإنفاق في سبيل الله؛ إلّا أنّ جزاءه ومصيره أن كان أول وقود النار قبل المجرمين والكفار ، ولم يشفع له  أعماله الكبار، قال ابن رسلان في منظومة الزُّبد:

وعالمٌ بعلمه لم يعملنْ                معذّبٌ من قبل عبّاد الوثن

وقد أرشدنا النبي ﷺ لأهمية تزكية القلب فقال: $إنّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم# (مسلم (2564))، فالمعوّل عليه عملُ القلب السليم الذي بصلاحه تصلح الأعمال وتتأهل للقبول من المولى المتعال.