img

إنَّ الصَّلاة تُعين المُسْلم على التَّفكر والتَّدبر، فالإنسان يحيى في عَوالم من الخيالات والأوهام اكتسبها من لغطِ النَّاس وجهالاتهم وعاداتهم، وبمقدار هدايته من الله تعالى ترتفع عنه هذه الظُّلمات بنور الله المبين، وتُظهر له الأمور على حقيقها، وتتكشَّف له أحوال الدُّنيا، وأقوى سُبل هداية الله هو الصَّلاة بتمامها، قال الغزالي في إحياء علوم الدِّين1: 168: «والصَّلاةُ مفتاحُ القلوب فيها تنكشف أَسرار الكلمات، فهذا حقُّ القراءة، وهو حقُّ الأذكار والتَّسبيحات أيضاً».

فمثلاً يصل إلى حقيقة الوجود، وهي أنَّ كلَّ ما بين يد النَّاس نافذ وما عند الله باقي، فعلينا العمل له، قال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} النحل: ٩٦، فيبذل كل جهده وطاقته من الدُّنيا لوجه الله بإرضائه، وعلى ذلك فقس [ينظر:  أيها الولد ص57].

ومَن تَأَمَّل في هذا عَرَفَ سبب مُطالبتنا بالخشوع في الصَّلاة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّر خير من قيام ليلة والقلب ساه» [في الزُّهد والرقائق لابن المبارك ص97، والعظمة لأبي الشيخ ص301]، قال الغزاليّ [في إحياء علوم الدِّين1: 170]: «واعلم أنَّ تخليص الصَّلاة عن الآفات، وإخلاصها لوجه الله تعالى، وأداءها بالشُّروط الباطنة ـ التي ذكرناها من الخشوع والتَّعظيم والحياء ـ سبب لحصول أنوار في القلب، تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة.

فأولياءُ الله المكاشفون بملكوت السَّماوات والأرض وأسرار الرُّبوبية، إنَّما يُكاشفون في الصَّلاة لاسيما في السُّجود؛ إذ يتقرَّب العبدُ من ربِّه تعالى بالسُّجود.

ولذلك قال تعالى: {واسجد واقترب} العلق: ١٩، وإنَّما تكون مكاشفةُ كلِّ مصلٍّ على قدر صفائه عن كدورات الدُّنيا، ويختلف ذلك بالقوَّة والضَّعف والقلَّة والكثرة وبالجلاء والخفاء، حتى ينكشف لبعضهم الشَّيء بعينه، وينكشف لبعضِهم الشَّيء بمثالِه، كما كُشِف لبعضهم الدُّنيا في صورة جيفة، والشَّيطان في صورةِ كلب جاثم عليها يدعو إليها.

ويختلف أيضاً بما فيه المكاشفة فبعضُهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله، ولبعضهم من أفعالِه، ولبعضهم من دقائقِ علوم المعاملة.

ويكون لتعيّن تلك المعاني في كلِّ وقتٍ أَسباب خَفيّةٍ لا تُحصى، وأَشدُّها مناسبةً الهِمّة، فإنَّها إذا كانت مصروفةً إلى شيءٍ مُعيَّن كان ذلك أَولى بالانكشاف».