img






العقبة الثالثة

الشيطان

            منذ الزمن الأول نَصَبَ الشيطانُ سهام عداوته للإنسان، وجنَّد جُنودَه للإفساد بين البشر وخصوصاً منهم أهل الإيمان، فصار بالغُ همّهِ أن يستزلَّهم في الخسران، ليورِدَهم في الآخرة إلى النّيران.

تنوّعت أساليبُه واختلفت أشكال حباله في استدراج الناس، بين وسوسةٍ في صدورهم والاستفزاز، لينزعَ عنهم ما يسترون به العورةَ واللِّباس، يأمرهم بالفحشاء والمنكر ويعدهم بالفقر والإفلاس، وما يَعِدُهم الشيطانُ إلّا الغُرورَ واليأس.

وتارةً يُجْلِبُ عليهم بخيله ورَجِله وما يَبُثُّه من الهوى، ليشاركهم في مأكلهم ومشربهم والمأوى، وأُخرى بصوته وكثرة نفْخِه لِيُنسِىَ المؤمنين الذِّكرى، ويُخوِّفُ أولياءه من الدِّين والعُقبى، يُنَكِّسُ لهم الفِطرةَ بأمرهم بتغيير خِلْقَةِ المولى، ليصيروا كالأنعام بل هم أضلّ وأشقى.

ومع كلِّ هذه الشِّراك والفِخاخ التى ينصبها للإنسان، إلّا أنّ كيدَه في غاية الضَعفِ والهوان، فلا قُدرةَ له على السيطرة أو التّأثير على أهل الإيمان، إلّا إذا فَتَحَ له سبيلاً على قلبه بما يجْتَرِحَهُ من المعاصي والآثام:  }إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا {[آل عمران: 155].

فإذا استعاذ المؤمنُ بالله من شرِّه، وتحصّن بالأذكار والقرآن من مكره، واتّقى الآثام ما ظهر منها وما يُبطِنُه، لم يبق للشيطان شيءٌ يفعله، حيث اعتصم بالقوي المتعال من وسوسته، قد أغلق عليه من كل مكان منافذه.

فإذا مسّهم طائفٌ من الشياطين، تذكّروا وعرفوا مكره اللّعين، فيلوذون بمولاهم أرحم الراحمين، فيؤيّدُهم السميعُ البصيرُ عليه فيدفعونه وهم به مبصرون: }إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ {[الآعراف: 201].

فكلّما أراد أن يُوسوس له الشيطان، تذكّر ورجع واعتصم بربّه وتمنّع، فيزداد لله رجوعاً وخضوعاً، فيحفظه الحفيظ من وساوس الشياطين، ونفخهم ونفثهم وما يحضرون، ويُدخله المؤمنُ تعالى في أمان حِصن المتقين، الذين لا خوفٌ عليهم من المرجومين، ولا لهم سلطانٌ عليهم فيحزنون.

عندها يُجيره الحقّ تعالى ويتولّاه، ويُحيطه بأمان قوله ونِداه: }إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ{[الإسراء: 65]، كفاه الكافي ممّا يحذر ويخشاه.

فمِن أعظمِ ما يعصِمُ اللهُ به عباده من الشيطان، التّحصّنّ بالأذكار والفاتحة والكرسيِّ والمعوِّذات من القرآن.