img






العقبة الثانية

 الخَلْقُ

يَعُدُّ الصالحون الخَلْقَ من أكبر القواطع في الطريق، وأبرزِ ما يُشغل الإنسانَ عن الحقّ الحقيق؛ وذلك أنّ معظم الناس في غفلةٍ عظيمة عن الهدى، وفي ضلالٍ كبيرٍ عن المولى: }وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله {[الأنعام: 116].

والإنسانُ اجتماعيٌ بطبيعته، ولا بدّ له من علاقات وصداقاتٍ، وسواءٌ كان لنا في الخَلْقِ إرادةٌ واختيار كالزّوج والخِلّان، أو ممّن لا اختيار لنا فيه من الأهل والإخوان؛ فلا بدّ من التّنبّه والحِذْران، وإلّا عرّض نفسه للعَطَب والخُسران قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ {[التغابن: 14].

وسببُ هذا الحَذَر أنّ الإنسان يؤثّر ويتأثر، والنّاس متفاوتون في أخلاقهم، والطِّباعُ تسرِقُ من الطِّباع، فمن رافق السعيدَ منهم أخذ من طبعه فسَعِد، ومن عاشر الشقيَّ تعكّر حالُه لا محالةَ وفسد، ففي الحديث: (مثلُ الجليسِ الصالحِ والسَّوءِ، كحامِل المسكِ ونافِخ الكِير)[البخاري 5534].

حتى بلغَ الأمرُ في تأثير العلاقة أنّ جاء في الحديث: (الرّجلُ على دينِ خليله، فلينظر أحدُكُم من يُخالِل)[الترمذي 2378].

 ولأجل هذا التأثير العظيم بين المتجالِسين، حثَّ اللهُ المتقين بالكينونة مع الصالحين: }وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ{[التوبة: 119]، وذلك ليسري حال الصِّدق منهم إلى من جَالَسهم، ففي الحديث: (همُ الجُلساءُ لا يشقى بهمْ جَلِيسُهُم)[البخاري 6408].

ولهذا السبب صار من أشدِّ ما يُفسِدُ الإنسان قُرناءُ السّوء، يَحْرِقون لباسَ تقواهُ بنارِ طِباعِهم ، أويُؤذونه بخُبث أخلاقهم، فمَثَلُه كمنْ أَمّنَ الذِّئبَ على غَنَمِه، أو آوى الشيطانَ في قلبه!

فإن لم يتدارك نفسه ويقطع عنها مداخِل الظُّلَمْ، نَدِمَ ولاتَ حين ندم، وهو يصيح من شدّة الحسرة والألم: } يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا{ [الفرقان: 28].

وإنّما كان الخَلْقُ عائقاً لانشغال القلب بهم، إمّا بإقبالهم عليه بالمدح أو بإعراضهم عنه بالذّم؛ إذ محالٌ أن يتعرّف القلبُ على مولاه وهو مشغولٌ عنه بسواه: }مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه{[الأحزاب: 4].

فالميزانُ في التّعامل مع الخَلْقِ أن لا تصحبْ من لا يُنهِضُكَ حالُه، ولا يَدُّلُّكَ على اللهِ مقاله.