img






العقبة الرابعة

النَّفس

            النّفس هي العقبةُ الكؤود، والعدوّ القريبُ اللّدود، لا يُؤمن جانبها ولا سبيل لمفارقتها ومجانبتها، فما هي في الحقيقة إلّا أنت!

            ومن هنا تكمُن خطورةُ جهادِها، فكيف ستُجاهِدُ أيّها المسكين نفسك! وأنت بها شفيق، وبحبها وثيق، فهي أقربُ إليك من كلّ رفيق!

وكيف ستُسلِّطُ عليها سياطَ المخالفة، وتُقيّدها عن شهواتها بلجام الحزم والمصابرة؛ إلّا إن كان الصدقُ شِعارَك، والعزيمةُ في تغييرها دِثارك، وآثرتَ رضى ربّك على رضاك، وثابرت على إصلاح نفسك وتَرْكِ هواك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الرعد: 11].

            والنفسُ بطبيعتها قابلةٌ للتّغيير، وإلّا لما أَمَرنا بجهادها العليمُ بها والخبير، فمن أراد أن يُكرِمه اللهُ بالهدى، فليخْرِق عوائدَ نفسه ويترُك الهوى، ولا يُهمل تطهير نفسه ويَذَرُها هَمَلا، وإن كان فِطامُها عن شهواتها مُرّا،  فليصبر فإنّ في مخالفتها فلاحٌ لمن تزكّى.

                        والنّفسُ كالطفلِ إن تُهمِلْهُ شَبَّ على      حُبِّ الرَّضاع وإنْ تَفْطِمهُ ينْفَطِم

            وأنفعُ ما يحرص عليه من كان لهداية نفسه قاصداً، أن يكون عن عيوب نفسه مُفتّشاً، لا بعيوب غيره منشغلاً، ولا بما حُجِب عنه من الغيوب متشوّفاً، فإنّ هذه من أمراض النفس وعِلّاتها.

            فالمقصود الأعظم من تزكيتها، هو تحقّقها بعبوديتها، وخضوعها واستسلامها لربها، ولا يتمّ له ذلك إلّا بأنّ يمتَثِل في الظاهر لطاعته، ويستسلم في الباطن لقهره وسطوته، فيؤدي حقّ الرّبوبية بالانقياد والتعظيم، ويتحقّق بأوصاف العبودية بالذّل لخالقها والتسليم: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات:40-41].

            وليحذر المتوجّه إلى ربّه من مكر نفسه ودسائسها، وإن كان في الطاعات متلبِّساً؛ فكم من عابدٍ همُّه رِفعتُها، وكم من مجاهدٍ قصدُه من جهادِه شُهرَتُها: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}[الأنعام: 120].

                        كمْ حسَّنَتْ لذّةً للمرءِ قاتلةً     من حيثُ لم يدرِ أنّ السُّمّ في الدّسَم

            ومع أنّ النفس هي أكبرُ قاطعٍ عن الله، إلّا أنّها بعد تزكيتها تصيرُ أعظم موصلٍ وأسرع ما يُقرِّب العبد لمولاه، لأنّها صارت راضية مرضية، تأمره بالخير وتستحلى العبودية.

            وعلامةُ زوالِ هوى النّفسِ، حبُّ لقاء المولى في كلِّ نَفَسِ.