img






حُكْمُ تزكية النَّفس

 

            يقول تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممّا افترضتُ عليه)[البخاري 6502]، فلا شيءَ أسرع في التّقرّب إلى الله من أداء الفرائض، ولا عمل أحبَّ منها عند الله تعالى، فهي مطيّة العبد إلى حضرة الربّ، وبدونها لا سير ولا سلوك ولا قرب ولا وصال.

            إلّا أنّ الفرائض لا تنحصر في صورة عبادات من صلاة وصيام وحجٍّ وزكاة فقط، بل كلُّ ما يُؤدّي تركه أو يؤدي اقترافُه إلى العذاب والعقاب والطَّرد والنَّكال، فهو من جملة الفرائض إمّا بالفعل أو بالترك.

            فجميعُ أحوالِ القلوب التي لا يقبَلُ اللهُ تعالى العمل إلّا بوجودها فيه،  هي من الفرائض؛ كالصدق والإخلاص والتواضع وغيرها، قال تعالى: } وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة {[البينة: 5].

            فجميع فرائض العبادات مشروطٌ قبولهُا بوجود سرِّ الإخلاص فيها، وبدون الإخلاص فالعمل مردودٌ ولو كان فرضاً، وصاحبه مطرودٌ ولو كان عالِماً مقدّماً.

            ومثل هذا يُقال في تلبّس القلب بما يؤدي إلى الطّرد والعقاب؛ كالرّياء والكِبر والعُجب والغُرور، قال تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاءِ عن الشّرك، من عَمِل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) [مسلم :2985]، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر) [مسلم: 91]، فأيّ خيرٍ في عَمَلٍ لم يرتفع لحضرة ربِّ العباد! وأيّ رضىً عن عامِل تركه ربُّه يغرق في أوحال الشِّرك والبِّعاد!

            قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوعُ والعطش، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السهر)[الطبراني في الكبير13413]، وكم قارئٍ للقرآنِ والقرآنُ يلعنُه، وكم من منفقٍ ليس له من صدقته إلّا السُّمعة والرّيا، وكم من بطلٍ لم يُرِدْ وجه الله كان جزاؤه النار!

            وقالوا: من مات ولم يتغلغل في طريقتنا أي في تزكية قلبه مات مُصرّاً على الكبائر، فلأجل أنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجبٌ، صارت تزكية القلب من آكد الواجبات وأمهات الفرائض.