img






العقباتُ الأربع

(الـدنيــا)

اعلم أيّها الإنسان المُقبل على الواحد الدّيّان، أنّ الله تعالى جعل على طريق هدايته المستقيم عقباتٌ، هي بمثابة الاختبارات والامتحانات، فمن وقف معها وتعلّق بها خسر وتأخّر، ومن جاوزها ولم يشغل قلبَه بها فاز وتقدّم.

وأخطرُ هذه العقبات تَكمُن في أربع: الدنيا والخَلْق والشيطان والنفس، وقالوا:

إِني بُلِيْتُ بـِأَرْبَـعٍ مَـا سُلـِّطُوا                إِلّا لأَجـل شـقَاوتِي وَعَنَائِي

          إبليسُ والدُّنيا وَنَفْسِي والهَوى           كَيْفَ الخَلاصُ وكُلُّهُمْ أعدَائِي

            أمّا عقبة الدنيا تظهرُ في زُخرُفِها وزينتها، والحِرصِ عليها والتّنافُس فيها، وحُبِّها والانشغال عن الله والدار الآخرة بملاهيها، حتى صارت قاطعة لـمُريدها عن الله تعالى وذِكْرِه، مُنسية ومُشغلة له عن خالقه وخالقها وعن شُكرِه.

            فيصيرُ طالِبُها لا يُفكّرُ إلّا بالزيادة فيها غافلاً عن زاد آخرته وموته، فيُمسي مأسوراً في سجون هواها بل وخادماً مطيعاً ولو كان فيها حَتْفُه.

            فإذا أراد اللهُ بعبده التّوفيق والهداية، حرَّرَه من سجونها وبصَّره بحقيتها الخدّاعة:  }وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور {[آل عمران: 185] ، ويُبصرُها زائلةً فانية، لا يدومُ نعيمُها ولا يبقى سُرُورُها:  }كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان{[الرحمن: 26].

            ظاهرها زُخْرُفٌ ومتاعٌ لأهل الغَفْلَةِ والغِرِّة، وحقيقتُها لأهل البصيرة خرابٌ وجيفةٌ نَتِنَة، مرَّ النّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلّم مع أصحابه على سخلةٍ ميِّتة، فقال: (أترون هذه هانت على أهلها حين ألقَوها؟)، قالوا: من هوانِها ألقوها يا رسول الله، قال: (فالدنيا أهونُ على الله من هذه على أهلها)[الترمذي 2321].

            وكيف يركنُ المؤمنُ ويميلُ بقلبه لشيءٍ لعنه ربُّه! ففي الحديث: (الدّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلّا ذكر الله وما والاه، أو عالِماً أو متعلِّما)[ابن ماجة 4112]، وكيف يُذهِبُ المؤمنُ عمرَه ويُضيّعُ وقته ويصرف همّته في شيءٍ هو أقلّ من جناح البعوضة! ففي الحديث: (لو كانت الدنيا تعدِلُ عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شَربة ماء)[الترمذي 2320].

            إلّا أنّ محلَّ الزُّهدِ في القلب، فلو ملَكَ الواحدُ ما مَلَك من الدنيا وقلبُه معلّقٌ بالله فهو زاهدٌ، ولو أنّ أحدهم لا يملك من حُطامها شيئاً وقلبه معلّقٌ بها فما هو بزاهد.