img




غايةُ التّزكية

            وبعد أن هداد الله تعالى لنوره المبين، وثبّته على صراطه المستقيم، مقتدياً ومتبعاً الإمامَ المبين سيّد الأولين والأخرين، متحرّياً الصدق في قوله وفعله، وما يُظهِرُ وما يُبطن من نفسه في كل حين، فعندها يكتُبُه اللهُ تعالى في الصّدّيقين، وفي الحديث: (وما يزال الرّجل يصدُقُ ويتحرّى الصدقَ حتى يُكتبَ عند الله صديقاً)[مسلم 2607].

            وعندها يتمّ له النّعيم المقيم، ويُدرِجُه اللهُ في السابقين الأوّلين الأخيار المقرّبين: }وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ {[النساء:69].

            فحينها يَزرَعُ اللهُ تعالى في أرض قلبه الطّاهر بذرة محبّته، فلا يزالُ يتعاهدُها بماء الذّكر وصالح الأعمال، حتى تنمو وتكبُر، وتصير شجرة أصلها ثابتٌ في جَذرِ قلبه، وفرعُها باسقٌ يستمطر الوهّاب جودَه وفضله، كلّما هزّها بصدق التّوجّه والنداء آتَته أُكُلَها بكلِّ خير السماء.

            وعندها يسري فيه سرُّ قول القريب الحبيب: } يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه {[المائدة: 54]، فبعد أن كان مُحباً صار محبوباً، وبعد أن كان مجاهداً لنفسه صار مالكاً لها منصوراً، تُعينه على الخير وتستحليه، سلّمها لخالقها ومولاها، فرضيت بربها ومَنْ بَرَاها، فأرضاها وآتاها نورها وهداها.

             فتحيطُ به العناية الرّبانيّة، ويُنادِي الأمينُ في السماوات والأراضين عليه بالقَبول والمحبوبيّة، ويتولى الحقُّ سمعَه وبصرَه وقُواه، يُجيبُهُ في كلِّ ما سأله منه ودعاه، ويحميه ويحفظه من كلِّ شرٍّ يخشاه، وإذا تجرّأ عليه أحدٌ حاربَهُ اللهُ تعالى وعاده.

 ففي الحديث القدسي: (مَنْ عادى لي وليّاً فقد آذنتُهُ بالحرب، وما تَقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنّوافلِ حتى أُحبَّهُ، فإذا أحبَبْتُهُ: كنتُ سَمْعَهُ الذي يسمَعُ به، وبصَرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويدَهُ التي يَبطِشُ بها، ورِجلَهُ التي يمشِي بها، وإِنْ سأَلني لأُعْطِيَنَّهُ، ولئنِ استعاذَنِي لأُعيذَنَّهُ)[البخاري 6502].

    قد سَلِم قلبُه من كلّ عائقٍ وشاغل، ولم يُرِد غيرَ وجه حبيبه في الحين والآخر: }يُرِيدُونَ وَجْهَهُ {[الكهف:28]، كَمُل بحُبِّه الإيمان: (لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه..)[مسلم 44].

فثبتت له المعيّة الخاصة بهذه المحبوبية على الدوام: (المرءُ مع من أحبّ)[البخاري 6168].