img






كيفية مجاهدة النّفس

            إنّ محور السير إلى الله تعالى وحقيقة الوصول إلى الهداية تبدأُ في مجاهدة النفس وحملها على خلاف هواها ومرادها، وحتى يتحقَّقُ للمرءِ جهادها فلا بدّ له أن يعرِفَ أولاً نفسَهُ وصفاتِها ورغباتِها وشهواتِها، ليتمكّن من جهادها واستعمال ما يُلائمها من طُرُق المجاهدة.

            وهذه أوّلُ مراحل الهدايةِ وأهمُّها وأساسٌ لما بعدها في طريق السير إلى الله، قال تعالى: {من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه}[الإسراء 15].

            فالمجاهدُ الحقيقي هو الذي سلّط على نفسه سياط المجاهدة، وجرَّعها مرارةَ المخالفة، وألزمها سواءَ السبيل، وحقَّقَ أمر الله في قوله: {وجاهِدوا في الله حقَّ جهاده}[الحج 78]، واتّبع مراد النبي صلوات الله وسلامه عليه حيث قال: (والمجاهدُ من جاهد نفسه في طاعةِ الله، والمهاجرُ من هجر الخطايا والذّنوب)[ابن حبّان 4862].

            وأسرعُ الطُرُق في مجاهدة النفس وأنجحُها عدم الرّضى عنها، وإيقانُ المرء بأنّ: {النّفس لأمّارةٌ بالسوء}[يوسف 53]، فأصل كلِّ معصيةٍ وغفلةٍ وشهوةٍ الرِّضا عن النّفس، وأصلُّ كلِّ طاعةٍ ويقظةٍ وعفَّةٍ عدم الرّضا منك عنها، كما قال ابن عطاء في حِكَمه.

             فإذا التبس عليك أيّها المجاهد حقٌ وباطل، ولا تدري أيّهما الحقّ والأنفع للنفس وجهادها، فالميزان الصحيح أن تنظر أثقلهما على النفس فاتّبعه؛ فإنّه لا يثقل عليها إلاّ ما كان حقاً.

            ولا يزالُ العبدُ يُجاهد نفسه في ذات الله ومرضاته، بالتّخلّي عن كلّ وصفٍ ذميم، وبالتّحلّي بضدّه من كلّ وصفٍ جميل، حتى يُكرمه الله تعالى بمعرفة سُبُلِ الهداية، فيسلُكَها محفوفاً بألطاف العناية والرِّعاية، فيُدخله الحقّ تعالى في المهدين: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا}[العنكبوت 69].

            فيبقى الصادِقُ يجاهد نفسه بما يصلحها من الخُلوة بالله والاستئناس به عن الناس، ومن قلة الطعام والتّزيّد فيه، ومن ضبط اللّسان بالصمت إلّا عن الخير، ومن ضبط هوى النفس في الرّكون للنوم وحبِّ الرّاحة والخمول.

            فيترقّى العبدُ بهذه المجاهدات من النّفس الأمّارة إلى النّفس اللّوامة، إلى المُلهمة، فيدوم على جهادها حتى تطمئنَّ وتسكُنَ نفسُه بوعد الله وقدره، فعندها تُنادى بالبُشرى من حضرة المولى:{يا أيّتها النّفسُ المطمئنّةُ ارجعي إلى ربّكِ راضيةً مرضيّة}[الفجر 27-28].