img




هدف التزكية

            إنّ المقصود الأعظم من التزكية هو الوصول إلى الهداية التامة، وذلك بمعرفة الإنسان ربّه والانقياد التّام له، إلّا أنّ هذه الهداية لا يبلغها الإنسان ما لم يهتدِ لحقيقته أولاً ليكون قادراً على أداء وظيفته ثانياً، قال تعالى: }مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِه  {[الإسراء: 15].

  وهداية الإنسان لنفسه أن يُدرك أنّه عبدٌ لله، لا عبدٌ لغيره أو لنفسه وهواه، فعند ذلك يتأهل للعمل بوظيفته التي خلقه اللهُ من أجلها وشرّفه أن يكون من أهلها   }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون { [الذاريات: 56]؛ فمن عرف حقيقته عرف وظيفته.

فعندها تُشرق عليه أنوار الهداية من محراب إيمانه وعبوديته  } إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِم  {[يونس: 10]، فكلما ازداد طاعةً وعبوديةً ازداد إيماناً وقُرباً من الله تعالى، فيزيده الله هداية بسبب صدقه وإيمانه.   

فإذا أراد الله له السعادة ثبّته على الاستقامة في العبوديّة وحبَّبَ إليه الطاعة، إذ الاستقامةُ  هي عين الكرامة، فيداوم على الفرائض في أحسن أحوالها، ويُكرِّه له المعاصى ما ظهر منها وما بطن،  وييسر له النوافل والزيادة فيها وذلك بتحبيبها له.

 فلا يزال يترقّى في الفرائض والنوافل مع الثبات فيهما، حتى يتأهل لأن يهبه الله درجة التقوى  } وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم{ [محمد: 17]، وهذه رتبة عظيمة ودرجة فخيمة، فهي علامة القبول والوصال  } إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين َ{[المائدة: 27].

فصاحب رتبة التقوى يُكرمه الله بأن يجعل له نوراً يُفرِّقُ به بين الحقّ والباطل، فيكون هذا النور سبباً لتوقّيه المخالفات ومحو السيئات، وعندها يكرمه الله بالمغفرة العظمى التي هي من أعظم ما يتفضّل اللهُ به على عباده  } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {[الأنفال: 29] .

فعندها يكون قد سلّمه الله بهذه التزكية الخاصة من كلِّ آفة، وأهّله لبلوغ  رتبة  الرجال، وأبلغه بمحض الفضل والجود لحقيقة النّور التّام   } يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ {[النور: 35].